منتـــديات سالمـي للثقـافــــة والتــراث الجزائري
أهــلا و سهــلا بزوارنـــا الكــــرام نشكركـم علـى زيارتكــم و نتمنى أن لا تكون الزيارة الأخيرة لكم أكرمكم الله وسدد خطاكم وسهل لكم طريق النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة.
مديــر المنتـدى / عبـد القـادر سالمــــــي

منتـــديات سالمـي للثقـافــــة والتــراث الجزائري

إذا مات بني آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية ،أو علم ينتفع به ،أو ولد صالح يدعو له
 
الرئيسيةمشاركتـك دليـل اليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
حكم عن العلم : "ما قرن شيء إلى شيء أفضل من إخلاص إلى تقوى ، و من حلم إلى علم ، و من صدق إلى عمل ، فهي زينة الأخلاق و منبت الفضائل"-----“إن الدين ليس بديلاً عن العلم و الحضارة، ولا عدواً للعلم والحضارة، إنما هو إطار للعلم والحضارة، ومحور للعلم والحضارة، ومنهج للعلم والحضارة في حدود إطاره ومحوره الذي يحكم كل شؤون الحياة.”----"أول العلم الصمت والثاني حسن الإستماع والثالث حفظه والرابع العمل به والخامس نشره".----"لا يزال المرء عالما ما دام في طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد بدأ جهله".

شاطر | 
 

 قضية التعريف بالمخطوطات: الجهود المبذولة وأوجه القصور /عصام محمد الشَّنْطِي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
salmiaek
Admin
avatar

عدد المساهمات : 219
تاريخ التسجيل : 09/03/2011
العمر : 35
الموقع : أدرار- الجزائر

مُساهمةموضوع: قضية التعريف بالمخطوطات: الجهود المبذولة وأوجه القصور /عصام محمد الشَّنْطِي   الجمعة أبريل 05, 2013 11:49 pm

قضية التعريف بالمخطوطات: الجهود المبذولة وأوجه القصور
عصام محمد الشَّنْطِي

تمهيد:
منذ أن أُنشئ معهد المخطوطات العربية، في النصف الأول من عام 1946، كانت - وما تزال - مهمته الأولى الرئيسةُ انتقاءَ المخطوطات العربية حيثما وجدتْ في أنحاء شتَّى من العالم، وتصويرها لصالح المعهد، ومن ثم إتاحتها للعلماء والباحثين والمراكز المتخصصة، محققين، ودارسين، وناشرين.

وهكذا التصق منذ البداية بهذه المهمة التصاقًا قويًّا عملان أساسان، واحدٌ قبلها، وآخر بعدها؛ أما الذي قبلها، فهو إعداد تقارير تكشف عن أماكن وجود هذه المخطوطات، وأعدادها، وموضوعاتها، وحالتها، ومدى نفاستها، وتميُّز بعض نسخها، وفهارسها؛ تمهيدًا للقيام ببعثات الانتقاء والتصوير.

وأما الذي بعدها، فهو الكشف - أولاً بأول - عن محصول هذا الحصاد الذي يجمعه المعهد لإطلاع العلماء والباحثين عليه، بإصدار الفهارس المناسبة، ومن ثم يقرؤونها، أو يصورون ما توسَّموا فيه استحقاق العمل.

وهذان الميدانان - التقارير والفهارس - يمثلان توجُّهَ المعهد الأعظم إلى التعريف بالمخطوطات العربية، وهما ميدانان واسعان؛ الأول هو ميدان التقارير التي تكشف عن أماكن وجود المخطوطات العربية، في مكتبات عامة وخاصة.

والثاني هو الاهتمام بفهرسة هذه المخطوطات - في المعهد وخارجه - وتوصيفها توصيفًا كافيًا يدل الباحث على ما ينفعه، ويحرص على الاطلاع عليه.

التقارير والقوائم:
والحق أن المعهد منذ البداية كان يحرص على الحصول على هذه التقارير، سواءً بإيفاد من يحرِّرها بنفسه، أو يكلف مسؤولاً ليزوده بالمعلومات المطلوبة من مخطوطات بلدٍ بعينه، أو مدينةٍ، أو مكتبةٍ عامة، أو خاصة، تتضمن قوائم بما تحويه من مخطوطات، كلِّها أو بعضها، ومن ثم ينشرها في مجلته التي أنشأها عام 1955، وبهذا ينتفع المعهد من هذه المعلومات تمهيدًا لبعثاته، ويعرِّف المتخصصين بها للانتفاع منها على عجل.

ولا يستطيع الباحث أن يعثر على تقارير لا شك أنها كتبت وحفظت في أضابير المعهد في فترة تسع السنوات الأولى، الواقعة ما بين إنشاء المعهد وصدور الجزء الأول من مجلته، وغالب الظن أن المعهد في فترة الإنشاء هذه كان متوجهًا - في الدرجة الأولى - إلى انتقاء وتصوير أكبر قدر من المخطوطات؛ ليكوِّن بها ثروته المصورة، دون أن يمهد لهذا التصوير بتقارير وافية عن المكتبات التي يزورها لهذا الغرض، وليس أدل على قلة اهتمام المعهد بجمع التقارير في تلك الحقبة أنني لم أصادف إلا تقريرين حول المخطوطات، كانا قد حُرِّرا قبل صدور المجلة ببضع سنوات، ثم أدرجا فيها بعد صدورها، ولو كان لدى المعهد أكثر من هذين التقريرين لما فاته أن ينشرها في منبره.

لقد استطعتُ أن أصنع قائمة، ألحقتها بهذا المبحث، ووسمتها باللَّحَق الأول، رصدتُ فيها جميعَ ما نشر في أجزاء المجلة منذ المجلد الأول منها، إلى المجلد التاسع والثلاثين بجزأيه، لعام 1995، وهي المجلدات التي صدرت في القاهرة أولاً (26 مجلدًا)، ثم في حقبة الكويت (8 مجلدات)، فعودتها إلى القاهرة منذ بضع سنين (6 مجلدات)[1]، لم يفتني منها إلا جزءٌ واحد من إصدارات الكويت، لم يخرج للنور؛ لأنه تاه في المطبعة أثناء الأحداث[2].

ويلاحظ القارئ أنني لم أفصل في اللحق الأول بين التقارير والقوائم، وإن سُميت الأخيرة في المجلة أحيانًا بالفهارس تجاوزًا، فالصحيح أنها قوائم لا تحتوي - في الغالب - إلا على أقل القليل من البيانات عن المخطوطة، ويعود سبب عدم الفصل إلى التداخل الكبير فيما بينهما؛ فالتقارير تتضمن قوائم تلك المكتبات المتحدَّث عنها، كل مخطوطاتها أو بعضها، ففيها من هذا الجانب صفة القوائم، وكذلك القوائم تتضمن أحيانًا بعض المعلومات عن المكتبة المعنيَّة، وفيها من هذا الجانب صفة من صفات التقارير.

كما يلاحظ القارئ أنني أبقيت تتابع هذه التقارير والقوائم وفق ورودها في أجزاء المجلة؛ فهذا الترتيب التاريخي سيفيدنا في التحليلات المقبلة من هذا المبحث.

ويكمل اللحقَ الأول اللحقُ الثاني، الذي صنعته للتقارير التي نشرها المعهد - وهو في مقره بالكويت - منفردة في كتيبات، تخص المخطوطات العربية في يوغسلافيا، والهند، ونيجيريا الاتحادية.

ونظرةٌ عجلى إلى هذين اللحقين، تُظهِر أن عدد هذه التقارير والقوائم يبلغ سبعة وثمانين عملاً، قام بها المعهد في مدى خمسين عامًا، بمعنى أن متوسط العام الواحد أقل من عملين، وإذا نسبنا هذا الإنجاز إلى أجزاء المجلة المنشورة، وعدتها ثمانون، كان نصيب كل منها عملاً واحدًا.

على أن هذا المتوسط لا يكشف عن حقيقة الواقع؛ فأجزاء المجلة الأولى - بسبب مبادرات المدير المتخصص ومتابعاته - تكشف عن عدد وفير من هذه الأعمال المنجزة، فالجزء الأول من المجلد الأول (عام 1955) فيه اثنا عشر عملاً، والجزء الثاني منه احتوى على أربعة أعمال، وهكذا أخذت أجزاء المجلة تعلو وتهبط في نشرها مثل هذه الأعمال التي تعد من أهدافها الأولى، إلى أن وصلت في وقت من الأوقات لا تنشر نصًّا صغيرًا فحسب؛ بل كتبًا كاملة، انتهت بنشر دواوين ضخمة مثقلة بفروق النسخ، والإشارات إلى أكثر من طبعة من طبعات مصادر التحقيق ومراجعه، وكان هذا - دون شك - جورًا شديدًا على نشر التقارير والقوائم.

هذا غير معوقات أخرى تتصل بعدم استقرار المعهد، وتطويحه من مكان إلى آخر، فخلو المجلدات الخمسة الأولى التي صدرت بعد العودة إلى القاهرة، فيما بين سنتي 19 1994، من التقارير والقوائم، وظهور تقرير واحد، وقائمة واحدة في المجلد الأخير بجزأيه عن عام 1995، والتوجه إلى نشر الدراسات والنصوص - لا تفسير له إلا احتياج المعهد إلى الاستقرار، والمبادرة بتكليف الأكْفاء لسد هذا النقص، واستدراك هذا القصور.

ومن الملاحظ تفاوت هذه التقارير تفاوتًا كبيرًا، فبينما بعضها لا يكمل صفحة واحدة، يتجاوز بعضها صفحاتٍ وافرةً، وكذلك تفاوتها في مادتها ما بين سطحية، أو تقرير ضافٍ عميق ودقيق، يهتم بنشأة المكتبة وأصولها ومجموعاتها، وعدد مخطوطاتها، وحالتها وفهارسها، وما لم يفهرس منها، وذكر بعض نفائسها من القرون الأولى، أو أصالة مؤلفها، أو أصالة موضوعها، ويفصل بين ذاك الإنجاز وهذا الإنجاز المُنجِزُ المتخصص، أو الدخيلُ المتطفل عليه.

إن ما أنجز من هذه التقارير والقوائم - على تنوعها، واتساع رقعتها - لا تدل على أن للمعهد خطةً مرسومة ملزمة بعيدة المدى، أو متوسطة المدى، لمسح أماكن المخطوطات العربية جميعها، ولو كان له خطة لأكمل هذا المسح بنظام واضح، ولجدَّد معلوماته عن المخطوطات العربية في أماكن غطاها منذ سنين بعيدة.

ولا يخفى حاجة المعهد إلى تجديد تلك المعلومات، وإني لأذكرُ أن دار المخطوطات في صنعاء حين زرتها في يناير 1985 كانت قد زادتْ مخطوطاتها - بالشراء والإهداء - ألفين وخمسمائة، عما كانت عليه قبل عشر سنين.

إن المعهد الآن، وبعد مضي خمسين عامًا على تأسيسه، وهو المعهد القومي المسؤول عن مجاله، لا يملك خريطة مفصلة تبين أماكن المخطوطات العربية في العالم، ومكتباتها العامة، وأعدادها، وما فهرس منها، وما لم يفهرس، وبعض نفيسها، ومعلوماتٍ أخرى أساسية وضرورية، هذا فضلاً عن المكتبات الخاصة التي يجهل الغالبية العظمى منها، ونتج عن هذا القصور أننا لا ندري عدد المخطوطات العربية في العالم، ولو على وجه التقريب، فمِن قائل: إنها مليون أو أقل، ومن قائل: إنها تصل إلى خمسة ملايين أو أقل، وهذا الاتساع بينهما لا يأتي إلا من جزافية وارتجالية.

فهارس المعهد:
قلنا فيما مضى: إن المعهد منذ تأسيسه لم ينتظر جمع التقارير عن المخطوطات العربية؛ بل توجه إلى المكتبات للانتقاء والتصوير، منتفعًا بالمتوفر من فهارسها وسجلاتها، وقوائمها وبطاقاتها؛ وذلك ليكوِّن - على عجل - ثروة من المخطوطات المصورة لانتفاع العلماء والباحثين بها.

ولم يمضِ عامان على نشأته حتى استطاع أن يجمع 2500 مخطوطة مصورة من دمشق وحلب والقاهرة والإسكندرية وسوهاج، وسارع بإخراج فهرسٍ تمهيدي أشبه بنظام القوائم، طبعه على الآلة الكاتبة في 570 صفحة من القطع الكبير، احتوى كل ما تجمَّع لديه من العلوم والآداب والفنون، دون أن يتخصص بعلمٍ أو موضوع واحد، وذكر في مقدمته أن هذا الفهرس ناقص من وجوه عديدة، وأن أغلاطًا قد تكون تسربتْ إليه؛ فالمفهرسون لم يكن لديهم الوقت الكافي لفحص كل مخطوطة فحصًا دقيقًا، وهو للكشف الأوليِّ فحسب، ووعد بتحرير فهرس مفصل مضبوط.

وفي عام 1954 أصدر المعهد الجزء الأول من فهارسه مستعينًا بمفهرسين من الخارج؛ لأنه لم يكن في المعهد مفهرسون، على الرغم من فوات ثماني سنوات على إنشائه.

لقد حُشدت في هذا الفهرس موضوعات عديدة غير متناسقة، فجاء فيه علوم الدين، وعلوم اللغة العربية، والأدب، والسياسة والاجتماع، والجغرافيا والبلدان، وقد عددتُ فروع هذه الموضوعات فوجدتها ثلاثة وعشرين.

وواضح أن التقسيم العام لتصنيف فهارس المعهد، قد جعل الجزء الأول لهذا المزيج من الموضوعات غير المتجانسة، والجزء الثاني للتاريخ، والثالث للعلوم التجريبية من فلك وطب ورياضيات وكيمياء وطبيعيات، والرابع - وهو الأخير - للمعارف العامة والفنون المتنوعة.

وقد تسبب سوء هذا التوزيع - خاصة في الجزء الأول - إلى تشابك واشتجار في نظام الفهارس، فلما أُريدَ سنة 1979 إخراج فهرس للأدب جديد، اضطر إلى أن يجعل ما ورد في الجزء الأول من الأدب قسمًا أول، وما يليه يكون قسمًا ثانيًا من الأدب، من الجزء الأول، وكذلك حين أُريدَ إخراج الجزء الثاني من الطب، سمِّي الكتابَ الثاني من القسم الثاني من الطب، من الجزء الثالث الذي خصِّص للعلوم التجريبية.

واستطاع المعهد أن يفك هذا التعقيد والاشتجار حين أصدر فهارسه في الكويت، فجعل السيرة النبوية والتاريخ والتراجم موضوعًا، وأصدر منه الجزء الأول، والأدب موضوعًا، وأصدر منه الجزء الأول، ومثلهما في الفقه وأصوله، وهكذا يمكن أن تتوالى الأجزاء في الموضوع الواحد.

ومن ناحية الشكل أيضًا جاء الجزء الأول خاليًا من فهرس أسماء المؤلفين، وهو إهمال جسيم؛ لأن المخطوطات فيه مرتبة على أسمائها وعناوينها، وصنع فهرس للمؤلفين ضرورة ملحة، فضلاً عن إهمال صنع فهرسٍ للنساخ لما فيه من فوائد للباحثين، وقد شاع هذا الإهمال في صنع الفهرسين في أكثر من جزءٍ من أجزاء الفهارس.

أما المضمون، فإن فهارس المعهد بإصدار القاهرة، الحقبة الأولى، مالت إلى منهجية القوائم، ولم يتبع المعهد بوضوحٍ المنهج الوصفي المعتدل، الذي لا يترك ملاحظة مفيدة على النسخة إلا ذكرها، دون تطويل لا فائدة ترجى منه، إلا في مقره بالكويت، وحين عودته إلى القاهرة.

ولم يأخذ المعهد منذ إنشائه حتى يومنا هذا بمنهج الفهرسة التحليلية، التي تحتاج إلى جهدٍ ووقت ومجلدات من الفهارس، لا تساوي الفائدة المرجوة منها، وهي محمدة للمعهد بإزاء إشكالية فهرسة محصوله من المخطوطات المصورة، والتي سنعرض لها بعد قليل.

وبهذا نجد أن فهارس المعهد تأرجحت ما بين نظام القوائم، وبين الفهرسة الوصفية المعتدلة، وبين هذه وهذه مسافة طويلة، يقترب المفهرس من هذه حينًا، ومن هذه حينًا آخر، ولم يستطع المعهد أن يضع - طيلة هذه السنين - منهجًا للفهرسة خاصًّا به، ولا أن يكوِّن مدرسة ذات أبعاد متميزة في هذا المجال، ولا أن يعقد الندوات المتخصصة للوصول إلى بطاقة نموذجية موحدة، يتبناها ويقدمها إلى جميع المراكز والمفهرسين في العالم، للاستئناس بها، واتباع منهجها.

ونظرةٌ إلى اللحق الثالث، الخاص بفهارس المعهد، تكشف عن عدد الأجزاء التي أصدرها على مدى نصف قرن، وهو تسعة عشر جزءًا، بمتوسط فهرسٍ واحدٍ لما يقرب من ثلاث سنوات، وأدسم فترة للفهرسة وإصدار الفهارس هي فترة الخمسينيات التي صدر فيها ستة أجزاء، يليها عقد الثمانينيات الذي صدر فيه أربعة أجزاء، وهناك فترة ركود امتدت نحو أربعة عشر عامًا.

ونظرة أخرى إلى اللحق تكشف عن أن جميع الأسماء التي صنعت فهارسه كلها من خارجه، والقليل منها جاءت دون أسماء، صنعها نفرٌ كان قد تكوَّن في ظل المعهد، واكتسب خبرة طيبة في هذا المجال، كان ذلك في أوائل السبعينيات، وما أن جاء آخر ذلك العقد حتى تفرق النفر بانتقال المعهد إلى تونس.

وفي أوائل التسعينيات، حين رغب المعهد في استئناف العمل في الفهرسة، في مقره بالقاهرة، عاد إلى سيرته الأولى مستعينًا بمفهرسين من خارجه.

ولنا أن نتصور فداحة هذا الإشكال، إذا علمنا أن الفهارس التي صدرت عن المعهد، لا تغطي إلا نحو ثمانية آلاف مخطوطة، بنسبة لا تتجاوز ثلث محصوله من المصورات، والباقي منها قليلُه - خاصة بعثات السنوات الأخيرة - ظاهرٌ في قوائم قاصرة، وكثيرُه لا ينظمه قوائم، وبقي سرًّا من الأسرار، لا يفيد منه باحث متخصص.

وحين نعود إلى النظام الداخلي للمعهد، المؤرخ في أوائل عام 1956، نلقى فيه أن المعهد يتألف من أربعة أقسام، وباستبعاد ثلاثة منها إدارية وفنية، وهي قسم التصوير والسكرتارية والمحاسبة، يبقى القسم العلمي الوحيد الذي نص عليه، وهو قسمالفهارس، استشعارًا من المجلس الأعلى للمعهد آنذاك - وهو واضع النظام - بأهمية هذا القسم، وقد ظل هذا القسم مذكورًا على رأس جميع الأقسام، حين تعددت وظائف المعهد، في جميع الأنظمة الداخلية التي تبعت ذلك النظام الذي أشرنا إليه، وعلى الرغم من ذلك فإن المعهد لم يستطع أن يكوِّن لأعماله مجموعة من المفهرسين الأكْفاء المنتمين، ولا أن يفهرس محصوله في فهارس مطبوعة.

واتصل هذا القصور من المعهد بعجزه في أن يكوِّن رعيلاً لفهرسة مخطوطات الوطن العربي، على الرغم من أنه أحس بمسؤوليته والتزامه نحوها، فقد عقد سبع دورات تدريبية في شؤون المخطوطات العربية لأبناء الوطن العربي، هدفها الأول التدريب على الفهرسة، الدورة الأولى منها كانت عام 1971، والأخيرة عام 1989، وعقدت جميعها في القاهرة، ودمشق، وبغداد، والكويت، واتسمت الدورات بالجدية والتكثيف، وكانت مدتها كافية ما بين شهرين وثلاثة شهور، والأساتذة متخصصون، وكانت النفقات عالية، وبإزاء ذلك لم يستطع المعهد أن يكوِّن - في نحو عشرين عامًا - جيلاً عربيًّا من المفهرسين.

والحق أن الدول العربية المرشحة لمتدربيها تشارك المعهدَ المسؤوليةَ في هذا الإخفاق، ولصِلتي بكثير من هؤلاء المتدربين، فإن غالبيتهم لم تكن تعمل في هذا الحقل حين رُشِّحت، ولم تعمل فيه حين عادت.
ويَشيع القصور في مكتبات العالم التي تحتوي على مخطوطاتٍ عربية، فجلها - إن لم يكن كلها - غالبُ مقتنياتها غيرُ مفهرس، وأحسن الأحوال أن يكون لديها سجلات أو بطاقات، كثير من بياناتها قاصرة ومضللة، لا تعطي الغرض المقصود منها.

إن بضاعة فهرسة المخطوطات العربية بضاعة نادرة وصعبة، وتحتاج إلى شغف بها، وصبر وأناة، وثقافة تراثية واسعة، وخبرة طويلة، ويتجسم حل هذه الإشكالية في مشروع قومي كبير، ذي خطةٍ مكثفة، تحشد له الإمكانات المطلوبة، لتربية رعيلٍ عربي متَّسع، يؤمن بتراثه، مقبل عليه، يحذق العمل فيه؛ لتخرج هذه الألوف من المخطوطات إلى النور، ويتعرف المتخصصون عليها، ويستفيدون منها.

فهارس مكتبات لم تفهرس من قبل:
لم يكتفِ المعهد بالتعريف بالمخطوطات بنشر التقارير والقوائم، ولا بإصدار فهارس مخطوطاته المصورة؛ بل توجه إلى ميدانٍ ثالث أحس بمسؤوليته نحوه، وهو الإعانة على فهرسة مكتبات لم تفهرس مخطوطاتها من قبل، وإصدار هذه الفهارس، وتحمل نفقات الفهرسة والطبع، وأمامه منها كمٌّ هائل على نحو ما أسلفنا.

والحق أن هذا التنبه كان مبكرًا، حين سافر مدير المعهد إلى مكتبة أمبروزيانا الشهيرة في مدينة ميلانو (إيطاليا)، وفهرس منها 221 مخطوطة تنتمي بتصنيف المكتبة إلى حرف الدال، وأخرج عن المعهد هذا العمل المنجز عام 1960، في فهرس انتفع به كثير من المتخصصين.

غير أن المستشرق الإيطالي جريفيني حين فهرس المكتبة فيما بعد وأصدر مجلداته، استوعب هذا العمل الذي قام به الدكتور صلاح الدين المنجد، وأفاد جريفيني منه فائدة كبيرة، وعلى الرغم من أن هذا العمل ظل لسنين طوال وحيدًا دون أن يتكرر، إلا أنه بقي محاولةً مبكرة، بعيدةَ الهدف، عميقةَ النظرة.

ولم يتجدد مثل هذا العمل إلا بعد خمسةٍ وعشرين عامًا، في حقبة الكويت، فحين توفر المال مع الهمة والعزم، تمكَّن المعهد من إصدار سبعة فهارس شملت مكتباتٍ في فرنسا وتركيا والمغرب والعراق والسعودية وسورية، على نحو ما يفصل ذلك اللحق الرابع في ذيل هذا المبحث.

وظل هذا المشروع مدرجًا من بين مشروعات المعهد، حين عودته إلى القاهرة، فأصدر - تنفيذًا له - فهرس مخطوطات جامعة الإسكندرية في جزأين، صدر الأول منهما سنة 1994، والثاني سنة 1995.

ويؤخذ على هذه الفهارس أنها غير موحَّدة المنهج، وليست على طريقة واحدة، وهي متأثرة بالمفهرِس الذي قام بالعمل، وهو من خارج المعهد، وغالبهم ليس له دراية أو خبرة كافية به، وينبغي أن يخرج هذا العمل موحدًا على طريقة المعهد في الفهرسة التي سلكها في فهارسه في سنواته الأخيرة.

ونرجو أن يبقى هذا المشروع متكررًا، فالمكتبات التي تحتاج إلى فهرسة - دون إمكانات لديها - كثيرةٌ ومنتظرة؛ بل نأمل أن يتوسع فيه؛ ليعرف المعهد بمخطوطات جديدة مجهولة لدينا.

خاتمة:
إن جهد المعهد الذي بذل في ميدان التعريف بالمخطوطات لجهدٌ طيب، كما توضح الألحاق الأربعة المرفقة؛ ولكنه جهد لا يتناسب مع عدد السنين، ولا مع إمكانات أصحاب هذا المعهد القومي.

إنني لم أقصد بنقدي هذا إلا البناء، فالمعهد بيتي، والبيت عريق، لا يحتاج إلا إلى تطوير وتنمية، وأعلم أن المشرفين على المعهد يريدون أن يسمعوا ويسمعوا أوجه القصور، قبل سماع المنجزات؛ بهدف الإصلاح والتوسع، خاصة ونحن على مشارف قرنٍ جديد.

وهذا هو الذي حداني أن أقول الحقيقة، آخذًا بالجزء الأخير من قول هنري مونترلون، الكاتب المسرحي الفرنسي، وهو: "لقد نظمت حياتي، فخصصت شبابي للحب، ورجولتي للكتابة، وشيخوختي لأقول الحقيقة".

إن الصورة المأمولة لهذا المعهد، أن يتحول - في وقتٍ غير بعيد - إلى معهد فيه من النشاط والإنتاج المتنوع ما يساوي نشاط خلايا النحل، في مجال التعريف بالمخطوطات، وغيره من المجالات؛ ليخرج إلينا تراثنا مصفى مما فيه من شوائب، ملتحمًا بميادين العلم الحديث.

وبعيدًا - في الوقت الحاضر - عن هذه الصورة المثلى المرجوة لهذا المعهد، فإن أمورًا يمكن أن يتوجه إليها، ويقوم بتنفيذها في المدى القريب، بنفقات يقدر عليها، من مثل ما يلي:
1. وضع خطة عاجلة مدروسة، وبذل نشاط مكثف متوالٍ، للحصول على تقارير وقوائم للمخطوطات في المكتبات العامة والخاصة، ونشرها في أجزاء المجلة، فلا يخلو جزء منها من عملين على أقل تقدير؛ لأن مثل هذه الأعمال هي من الأهداف الأساسية الأولى للمجلة، فضلاً عن أن هذا يعين على مسح المخطوطات العربية الموزعة في أنحاء شتى من العالم، ويساعد على كشف أعدادها، ومعرفة مقتنياتها ونفائسها.

2. الاهتمام بوضع مشروع في أول ميزانية مقبلة، يكلَّف فيه خبير لجمع أسماء جميع المكتبات التي تحتوي على مخطوطات عربية، وبيان أماكنها وعناوينها، وعدد مخطوطاتها، وذكر فهارسها المطبوعة، وكم وُصف فيها من المخطوطات عددًا، على أن يطبع هذا العمل وينشر، ثم يجدد بعد كل بضع سنوات في طبعات أخرى مزيدة ومنقحة، وبهذا يكون لدى المعهد ما يشبه الخريطة المفصلة الشاملة المتجددة لأماكن المخطوطات وأعدادها.

3. عقد ندوة مصغرة (لجنة) من متخصصين وخبراء لوضع منهج موحد لفهرسة المخطوطات العربية، فهرسة وصفية، بعيدًا عن منهج القوائم القاصرة، وعن الفهرسة التحليلية، وتصميم بطاقة نموذجية موحدة يتبناها المعهد ويقدِّمها إلى جميع المراكز والمفهرسين في العالم، لاتباع طريقتها، أو - على الأقل - للاستئناس بها، والأخذ بمنهجها.

4. الاهتمام بالعودة إلى عقد الدورات التدريبية لشؤون المخطوطات في الفهرسة وغيرها، وجعلها متكررة في كل عام، مع ضرورة الالتزام وعدم التهاون في وضع شروط للمرشحين من الدول العربية؛ ليكونوا من المشتغلين بالمخطوطات حين يأتون للمشاركة في الدورة، وحين يعودون إلى بلادهم.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.tourath.com
 
قضية التعريف بالمخطوطات: الجهود المبذولة وأوجه القصور /عصام محمد الشَّنْطِي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتـــديات سالمـي للثقـافــــة والتــراث الجزائري :: منتـدى التــــراث المخطــــوط-
انتقل الى: