منتـــديات سالمـي للثقـافــــة والتــراث الجزائري
أهــلا و سهــلا بزوارنـــا الكــــرام نشكركـم علـى زيارتكــم و نتمنى أن لا تكون الزيارة الأخيرة لكم أكرمكم الله وسدد خطاكم وسهل لكم طريق النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة.
مديــر المنتـدى / عبـد القـادر سالمــــــي

منتـــديات سالمـي للثقـافــــة والتــراث الجزائري

إذا مات بني آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية ،أو علم ينتفع به ،أو ولد صالح يدعو له
 
الرئيسيةمشاركتـك دليـل اليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
حكم عن العلم : "ما قرن شيء إلى شيء أفضل من إخلاص إلى تقوى ، و من حلم إلى علم ، و من صدق إلى عمل ، فهي زينة الأخلاق و منبت الفضائل"-----“إن الدين ليس بديلاً عن العلم و الحضارة، ولا عدواً للعلم والحضارة، إنما هو إطار للعلم والحضارة، ومحور للعلم والحضارة، ومنهج للعلم والحضارة في حدود إطاره ومحوره الذي يحكم كل شؤون الحياة.”----"أول العلم الصمت والثاني حسن الإستماع والثالث حفظه والرابع العمل به والخامس نشره".----"لا يزال المرء عالما ما دام في طلب العلم ، فإذا ظن أنه قد علم فقد بدأ جهله".

شاطر | 
 

 التحقيق العلمي للمخطوطات، وإحياء التراث الإسلامي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
salmiaek
Admin
avatar

عدد المساهمات : 219
تاريخ التسجيل : 09/03/2011
العمر : 35
الموقع : أدرار- الجزائر

مُساهمةموضوع: التحقيق العلمي للمخطوطات، وإحياء التراث الإسلامي   الإثنين أبريل 29, 2013 1:49 pm

التحقيق العلمي للمخطوطات، وإحياء التراث الإسلامي
تمهيد:
إن ما وصل إلينا من علوم ومعارف عبر المخطوطات العلمية كان منبع الحضارة والمحرك الباعث على انطلاق حضارتنا العربية الإسلامية إلى العالمية والإنسانية، فقد كان بحق تراثاً وإرثاً ضخماً، مع أن الحقيقة العلمية تشير ـ رغم ما سبق ـ إلى أن ما ضاع أو اندثر كان أضخم وأكثر، ونأمل أن تتهيأ الظروف المناسبة لطبع المخطوطات كلها، أو الثمين منها على الأقل.
وما هذا إلا تأكيد على مكانة العرب بفضل الإسلام في مرحلة كانوا هم سادة المعرفة والانتشار الثقافي في العالم، ويومها كانت عملية الإبداع الفكري والعلمي تنطلق من هذه البقاع المباركة من العالم.
وما زالت هناك جذوة أمل لم نفتقدها بعد تشير إلى أن أنظاراً علمية تتجه إلى إحياء تراثنا العلمي؛ في تاريخ الطب والهندسة والبيطرة والزراعة، بالإضافة إلى التراث الأدبي والتاريخي؛ ناهيك عن التراث الفقهي والدراسات الإسلامية عموماً.
ولم يكتف العرب والمسلمون بالحفاظ على تراثهم العلمي والفكري، بل كان لهم الفضل الكبير في الحفاظ على تراث الأمم الأخرى، الذي نقله العرب إلى حضارتهم، وتفاعلوا معه، وتأثروا به وبنوا عليه، وكان طريقاً ممهداً للحضارات اللاحقة؛ بناءاً وعطاءاً.
غير أنا نجد بعض الناس يقفون حجر عثرة أمام علم (تحقيق التراث)، مدعين أن تذكير العالم بماضينا المجيد ما هو إلا نوع من التراجع غير المجدي، وأمر لا يدعو إلى الفخار، بقدر ما يحز في النفس، ويدعو إلى الأسى، وإلى ضياع الوقت في أشياء لا تفيد الحاضر ولا تبني مستقبلاً، وما هو إلا تغنٍ بورقات مهترئة عفى عليها الزمان.
وما دروا أنهم في دعوتهم هذه يحاولون فصم عرا الحضارة بين الماضي والحاضر، محاولين إضاعة جذور الأمة، ويرغبون بطمس عين الشمس التي أشرقت يوماً على العالم؛ خيراً وعطاءاً، ويُفقدون الرابط الفكري الذي تحلى به العرب والمسلمون، واعترف به المنصفون من الحضارات الأخرى وأفادوا منه كثيراً، ولو لم تكن قيمة هذا التراث جليلة لما احتفظت به أرقى المكتبات في العالم ـ دون أن نسألهم الآن عن مصدر هذه الكنوز ـ، ولما تسابقت إلى تملكه أعلى المؤسسات العلمية ثقافة.
وندعو الجميع اليوم أمام من استغلوا بالمخطوطات قديماً وحديثاً، نسخاً وتحقيقاً: وقفة إجلال وتقدير؛ لأنهم وهبوا أحلى ساعات حياتهم بالعيش في أروقة المكتبات، وبين أرف المخطوطات ينبشون كنوز العرب والمسلمين، ويقدمونها للأجيال؛ تنهل منها ما طاب لها علماً ومعرفاً، بعد أن يوجهوا عليها أنوار بصائرهم وبصيراتهم، وكأنهم جنود صامتون صامدون، متربصين خلف متاريسهم وداخل خنادقهم؛ جهاداً علمياً وثقافياً.

تعريفات:
المخطوط: كل كتاب ما زال بخط مؤلفه ـ أو بخط غيره ـ لم يطبع بعد، ولو كان صورة عنه.
التحقيق:
لغة: الوصول إلى حقيقة الشيء ومعرفته على وجه اليقين.
عرفاً: نقل المخطوط إلى حروف الطباعة الآلية؛ ولو لم تتوفر في ذلك الشروط العلمية الاصطلاحية للتحقيق.
اصطلاحاً: جهد في المخطوط للوصول إلى النص المماثل لما تركه المؤلف؛ بحسب الاجتهاد لتيسير الإفادة منه.
ويتبين من خلال التعريف السابق: أن التحقيق العلمي يُبنى على النقاط الآتية، (الدراسات الإسلامية نموذجاً):
أ ـ تحرير النص: ويتم بما يأتي:
1- ضبط ما يحتاج إلى ضبط (بالحروف) وشكل (بالحركات).
2- وضع علامات الترقيم؛ لتيسير فهم المقصود.
3- إثبات الفروق بين النسخ عند وجودها.
ب- خدمة النص، وتتم بما يأتي:
1- شرح الغامض، وذلك:
- ببيان المصطلحات العلمية.
- الربط بين أفكار الكتاب.
- إعادة الضمائر إلى الإظهار عند الالتباس.
- شرح بعض أفكار والتعليق عليها عند الحاجة.
2- تدقيق النصوص، ويشمل: عزو الآيات، وتخريج الأحاديث، وتوثيق النصوص المنقولة من الكتب الأخرى، وكذلك المسائل، ولو لم تُكتب بلفظها.
3- التقديم للنص المحقق، ويشمل ذكر: تاريخ المؤلف (ترجمة عنه) ونسبة الكتاب إلى المؤلف، وتوثيق العنوان، والتعريف بمصادر الكتاب، وقيمته العلمية، مع التعرف على الذين تأثروا به عبر العصور اللاحقة.
4- الفهرسة الشاملة، المعينة على الوصول إلى المعلومة المرادة بأيسر السبل؛ كفهرسة الآيات، والأحاديث، والأعلام، والبلدان، والأشعار، والكتب، والألفاظ الفقهية (المصطلحات) والقواعد الفقهية والأصولية.

5- مكانة المخطوطات والعناية بها:
تتجلى أهمية المخطوطات وتظهر مكانتها من كونها جزءاً من التراث الإسلامي العريق؛ الذي قامت عليه الحضارة العربية الإسلامية، ودراستها تدفع إلى التعرف على أسباب النهوض ومعرفة الطريق الذي سار عليه الأقدمون في مسيرة بنائهم الحضاري، عله يكون نوراً يُتهدى به في ظلمات هذا الزمان.
وتشير الإحصاءات إلى أن عدد المخطوطات العربية الإسلامية ما بين (3 – 5) ملايين مخطوط منتشرة في مكتبات العام.
ولقد تجلت عناية القيمين على الاهتمام بالمخطوطات بمظاهر متعددة:
1- فهرسة مكتبات العالم للمخطوطات في مجلدات خاصة.
2- اهتمام مكتبات العالم بجمع المخطوطات الأصلية، أو صوراً عنها.
3- اهتمام الجامعات عموماً بإحياء التراث، وإنشاء معاهد متخصصة لذلك (معهد إحياء التراث، بجامعة حلب) نموذجاً.
4- اعتماد الجامعات منح درجات علمية (ماجستير، دكتوراه) لتحقيق المخطوطات.
ومن الملاَحظ أنه لم يكن مَن يقوم بنشر هذه المخطوطات على درجة واحدة، ولم يجمعهم هدف واحد، وإن كانوا في النتيجة قد حققوا (إظهار المخطوط إلى حيز الوجود، ووضعه في متناول أيدي القراء).
فلقد تعددت المنطلقات والدوافع التي حملت الباحثين على الاشتغال بتحقيق التراث ونشره على أربعة مواقف:
1- موقف خصوم التراث: ولعل أغلبهم كان من المستشرقين؛ حيث كانوا يعمدون إلى الكتب التي حُشيت بالدخيل والمختلِط علمياً، ويحققونها، وينشرونها بصورة جذابة أنيقة؛ لكي يعطوا عن التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية صورة مسمومة بقصد تنفير الأجيال الحاضرة من التعلق بالتراث، والحنين إلى الماضي وإحياء الحضارة الإسلامية من جديد.
2- موقف أصدقاء التراث السذج: الذين يتعشقون الكتب القديمة التي ملئت بالغرائب والحكايات التي تعطل العقل والفكر، وتُضعِف عند الإنسان اعتماده على قاعدة الأخذ بالأسباب والمسببات، وتفصله عن الاهتمام بشؤون الحياة.
3- موقف أصحاب التراث العقلانيين والمستنيرين: الذين يتخيرون المخطوطات ذات المادة الأصيلة فيتوفرون على تحقيقها، وينبهون إلى ما فيها من دخيل أو انحراف فكري؛ حتى لا تَترك هذه الانحرافات أثراً سيئاً في القارئ.
4- موقف أصحاب المصلحة الخاصة النفعيين، وهم فريقان:
أصحاب دور النشر: الذين يعمدون إلى الكتب الرائجة بين الناس، والموضوعات ذات الشعبية الكبيرة، ولو على حساب الصحيح من المفاهيم الإسلامية والعلمية؛ فينشرون من المخطوطات ما يعجب هذا الجمهور؛ سعياً وراء الربح المادي.
أصحاب المصلحة الخاصة الذين ينشدون الحصول على الدرجات العلمية (الماجستير والدكتوراه) عن طريق تحقيق أي مخطوط، ولو مل يحمل أي فائدة جديدة أو جليلة، أو يسد فراغاً في المكتبة الإسلامية، حتى ولو كان في موضوعه ما هو مطبوع وأفضل منه.
وهنا أود أن أسجل توصية نخرج بها في هذه الندوة أنه: على المحققين أن يتخيروا من المخطوطات الجيد والأصيل، والخالي من الشوائب والدخيل؛ كي يصلوا ماضي الأمة بحاضرها؛ ليكون دافعاً لمستقبل مشرق.

جهود العلماء المسلمين في إحياء التراث وتحقيق المخطوطات
يزعم بعض الباحثين بأن فن تحقيق المخطوطات مقتبس عن المستشرقين، وباختصار فإن هذه المزاعم تتبدد أمام جهود العلماء المسلمين، والتي تجلت في المعالم الآتية:
1- المقابلة بين النسخ.
2- التصحيح والتضبيب.
3- علاج السقط.
4- علاج الزيادة.
5- علاج التشابه بين الحروف.
6- صنع الحواشي.
7- علامات الترقيم.
8- استخدام الرموز التعقيبية، وعلامات الإهمال.
9- استخدام الاختصارات.
10-التعريفات والتخريجات والتنبيهات وسائر أنواع التعليقات.
وفيما يأتي شرح لهذه المعالم:
أولاً: المقابلة بين النسخ:
المقابلة بين النسخ هي العرض، أي: المقابلة بين النسخة المنقولة عن نسخة المؤلف، وبين نسخة المؤلف، أو مقابلتها على نسخةٍ وَضَع المؤلف خطه (توقيعه) عليها، أو مقابلتها على نسخة قوبلت على نسخة المؤلف.
وضرورة المقابلة هي تصحيح الأخطاء، وجعل النسخة المنقولة معتمدة موثوقاً بها، ومن أدلة حرص القدامى على المقابلة:
قول عروة لابنه هشام بعد ما كتب ما سمع في مجلس الحديث: "كتبت؟، قال: نعم، فقال له: عرضت؟، قال: لا، فقال عروة له: ما كتبتَ".
وكذلك قال الشافعي في ضرورة المقابلة: "مَن كتب ولم يعرض كان كمَن دخل الخلاء ولم يستنج".
ويقول القاضي عياض: "قابل نسختك بنفسك، ولا تعتمد على نسخ أيٍ؛ مهما كان حاذقاً؛ فإن الفكر يذهب، والنظر يزيغ، والقلب يسهو، والقلم يطغى".
ثانياً: التصحيح والتضبيب:
قال القاضي عياض: (الحذَّاق من النساخ يعنون بالتضبيب والتصحيح)، ومعنى ذلك:
أ – التضبيب أو التمريض: هو وضع حرف (صـ) فوق الكلام الذي صح نقلاً ورواية؛ ولم يصح من حيث المعنى، أو اللفظ في رأي الناسخ.
وذلك للتنبيه على صحة الرواية كما هي مثبتة؛ مراعاة لأمانة النقل، ثم حين التحقق من صحة الكلام المُشكِل الموجود.
تضاف (ـح) إلى (صـ) فتصبح (صح)، وإلا يكتب في الحاشية وجه الصواب للكلام المُشكِل، وبعضهم يضع فوق الكلام المُشكِل كلمة (كذا)، أي: هكذا وجدته في النسخة التي أنقل عنها، ثم يكتب في الحاشية (صوابه) ويكتب ما يرى أنه الصواب إذا تحقق من ذلك، أو يكتب (لعله) ثم يذكر ما ظن أنه الصواب؛ إذا لم يتحقق.
ب – التصحيح: يعني وضع كلمة (صح) فوق الكلام الذي صح نقلاً ومعنىً، ولكنه عرضة لشك القارئ والناسخ؛ وذلك للتنبيه على أن صاحب النسخة لم يغفل عن ذلك، وهذا ما يَظهر من معنى الكلمة، يقال: صحح الكلام، إذا أثبت صحته، وهذا هو مرادنا من التصحيح.
مثاله: حديث (( ... إذا استأذنوكم صح)) والأصل (استأذنكم) للنساء.
ثالثاً: علاج السقط:
مع ندرة وسائل الكتابة والأوراق: كان النُّسَّاخ إذا سقط من الكلام الذي ينسخونه شيء لا يستدركونه بين السطور ـ كما يفعل البعض اليوم في كتبهم ـ حرصاً على جمال الصفحة المكتوبة؛ بل يستدركون في الحاشية اليمنى أو اليسرى من الصحيفة ما سقط من الكلام ويضعون مكان السقط علامة (اللَّحق، أو الإلحاق أو الإحالة)، وهي خط صاعد في مكان السقط ثم ينعطف إلى جهة اليمين أو اليسار (أي: جهة تخريج الكلام المستدرَك)، وإذا كان ما يُستدرك من الكلام ألفاظاً كثيرة فإنه يكتب باتجاه طول الصحيفة لا باتجاه العرض صاعداً إلى أعلى الورقة غالباً، وهذه الطريقة تتسع لاستدراك الكلام الكثير، ثم يكتب في نهاية الاستدراك كلمة التصحيح (صحـ).
رابعاً: علاج الزيادة:
مع عدم وجود المزيل المتوفر في هذا الأيام، كان النُّسَّاخ إذا أرادوا أن يلغوا شيئاً زائداً في الكلام، أو شيئاً كُتِب على غير وجهه عالجوا ذلك على النحو الآتي:
1- الكشط: ويكون بالحك، أو سلخ ظاهر الورقة؛ بسكين ونحوها؛ لإلغاء ذلك الكلام المراد إلغاؤه.
2- المحو: وهو إزالة الكلام بغير كشط، وهذه الطريقة أولى من الطريقة السابقة؛ وتستخدم إذا كان الحبر المستخدم في الكتابة قابلاً للإزالة.
3- الضرب على الملغى، وهو أولى الطريقتين السابقتين، ويكون بكيفيات خمس:
أ‌- وضع خط ممتد أو خطوط متقطعة فوق الكلام المراد إلغاؤه؛ بحيث يُقرأ من تحتها، وغالباً ما يكون الخط أو الخطوط تمس رؤوس أحرف الكلمات.
ب‌- وضع ما يشبه الباء المقلوبة تحيط بالكلام المراد إلغاؤه من أعلاه ( ).
ت‌- كتابة (من) أو (لا) أو الكلام المراد إلغاؤه، وكتابة (إلى) عند نهاية الكلام المراد إلغاؤه. ث‌- وضع الكلام المراد إلغاؤه بين قوسين.
ج‌- وضع نقطة مجوفة أو الكلام المراد إلغاؤه، ونقطة أخرى في نهاية ما يراد إلغاؤه، وقد استعملت كلمة (النقط) بمعنى الإلغاء في بعض عبارات السلف، كما جاء عن معمر بن المثنى في قوله لأحد تلامذته، وقد ألغى قصيدة زعم المفضل الضبي أنها لأحد الشعراء الجاهليين، قال معمر: (انقط عليها، هذه من صنع المفضل الضبي).
خامساً: علاج التشابه بين الحروف.
إهمال معالجة التشابه بين الحروف يُوقع في التصحيف والتحريف.
أما التصحيف فهو: الخطأ في نقط الحروف، أو رسم الحركات، مع الحفاظ على صورة الخط، ومثال ذلك: ما قال أبو نواس في هجاء أبان اللاحقي:
صفحت أمك إذ سمتك في المهد أبانا
صيرت باء مكان التــــــــاء تصحيفاً عيانا
قد علمنا ما أرادت لم ترد إلا أتانا
وأما التحريف فهو: الخطأ في هيئة الحروف، أو زيادة الكلام، أو نقص منه، أو تبديل، أو تغيير في الكلام.
وقد عالج القدامى هذا التشابه في الحروف والألفاظ (أي: التصحيف والتحريف) بما يأتي:
أ – توصية الكتَّاب والنُّسَّاخ أثناء النسخ والمقابلة، وتوصية أصحاب النسخ بإعجام الحروف المعجمة، وضبط ما يحتاج إلى ضبط؛ بوضع الحركات على الحروف.
وفي ذلك يقولون: (ينبغي أن تُعجِم المعجم، وتُشكِّل المُشكل، وتضبط الملتبس، وتتفقد مواضع التصحيف).
ب – استعمال الرموز مع الحروف المهملة للتأكيد على إهمالها، وعلى سبيل المثال لهذه الرموز:
الحاء الصغيرة تُوضع تحت الحاء؛ للدلالة على أنها مهملة (غير منقوطة).
السين الصغيرة تُوضع تحت السين؛ للدلالة على أنها مهملة (غير معجمة).
( ) توضع فوق الراء.
ج ـ ضبط حروف الكلمات بالألفاظ، كما في قولهم (الحسحاسي)؛ بالسين الساكنة بين الحائين، والحاء والألف بين السنين المهملات.
سادساً: صنع الحواشي.
لمعرفة هذا الجانب من جوانب التحقيق عند القدامى لا بد من معرفة ما يأتي:
1- الفرق بين الحاشية والهامش: الحاشية هي الفراغ الأيمن أو الأيسر من الصحيفة، وأما الهامش فالمراد به الفراغ في أسفل الصحيفة، وما كان يستعمله الأقدمون من هذه الفراغات إنما هو الحواشي اليمنى واليسرى.
2- الغرض من استعمال الحواشي: كان المؤلف أو الناسخ للمخطوط يستعمل هذه الحواشي لما يستدركه من السقط الواقع في الكلام، أو يكتب في نهاية الحاشية غالباً كلمة (صحـ)، كما كان يستعمل هذه الحواشي القراء والدارسون، ويكتبون فيها تعريف المصطلحات أو إثبات الفروق بين النسخ، أو التعريف ببعض الأعلام، وتتميز هذه الحواشي بعدم كتابة (صحـ) في نهايتها، وربما رسم حرف (حـ) في نهاية الحاشية؛ للدلالة على ذلك، أو وضع رقم هندي مكرر بين المتن والحاشية.
ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد أن نجيب على سؤال:
لِمَ كان المؤلفون القدامى لا يستخدمون الحواشي كما نستخدمها اليوم؛ أي: للمعلومات الخارجة عن الموضوع؛ كتخريج الحديث، والتعريف بالأعلام، ونحو ذلك؟.
الجواب: أنه كان من عادة النُّسَّاخ إذا نسخوا المخطوط أن يهملوا هذه الحواشي؛ فلا ينسخونها على اعتبار أنها من صنع القراء لا مِن عمل المؤلف وصلب البحث، ولذلك كان المؤلفون يدرجون هذه المعلومات في صلب أبحاثهم تحت عناوين متنوعة؛ مثل: (تنبيه)، (فائدة)، (إيقاظ).
سابعاً: علامات الترقيم.
عرف العلماء السابقون من علامات الترقيم ما يأتي:
1- النقطة المجوفة، وعلامتها (o) تُوضع في نهاية الكلام، أو نهاية كل آية، أو حديث، أو ترجمة، وما إلى ذلك.
2- الهاء، وعلامتها (هـ)، وتُوضع في نهاية الاقتباس، وقد يصرحون بانتفاء الاقتباس بدون هذه العلامة، فيقولون: انتهى كلام فلان، ونحو ذلك.
3- النقطة المطموسة، وعلامتها (0)، وتُوضع بين شطري البيت من الشعر.
ثامناً: استخدام الرموز التعقيبية، وعلامات الإهمال.
كان القدامى يستخدمون عدداً من الرموز، منها:
1- النقطة داخل النقطة المجوفة، وعلامتها ( )، ويستعملونها للإشارة إلى المقابلة بين النسخ، وقد توجد نقطتان، أو ثلاث؛ للدلالة على تكرار المقابلة.
2- التعقيبة: وهي أن يكتب في الزاوية اليسرى السفلى من خلف الورقة الكلمة الأولى من وجه الورقة التالية، وذلك لمعرفة تتابع الصفحات.
3- علامات الحروف المهملة؛ كما سبق في فقرة سابقة.
4- علامة رفع التشابه بين الحروف؛ وذلك بكتابة اسم الحرف عند مجيء الرحف في الخط الذي يشتبه مع حرف غير مراد، مثال: (حمل الرجل أمه) فبالكتابة بخط اليد قد يشتبه حرف اللام في (حمل) مع حرف الدال؛ فتصبح (حمد الرجل أمه)؛ لذلك يكتب فوق حرف اللام (لام) بخط صغير؛ للدلالة على أن الحرف هو (لام)، وليس حرفاً آخر، وهكذا في الحروف التي قد تشتبه؛ يكتب اسم الحرف فوقه.
تاسعاً: استخدام اختصارات مصطلحات العلوم.
1- مختصرات علم الحديث: (نا، ثنا: حدثنا)، (أنا، أرنا: أخبرنا)، (أنبأ: أنبأنا)، (ح: تحويل للسند الآخر).
2- مختصرات القاموس، وهي: (د: بلدة)، (م: معروف)، (ع: موضع)، (ج: جمع)، (ة: قرية).
3- وكذلك نجد في بعض حواشي المخطوطات مختصرات، مثل: (عو: عورضت النسخة إلى هذا الموضع)، (قو: قوبلت النسخة إلى هذا الموضع)، (بلغ: بلغ العرض إلى هنا)، ونحو ذلك.
عاشراً: التعريفات والتخريجات والتنبيهات وسائر أنواع التعليقات.
ونجد من معالم التحقيق القديمة كثيراً مما يهتم به المحققون المحدثون، مثل:
تراجم الأعلام.
التعريف بالأماكن والبلاد.
شرح المصطلحات والألفاظ الغريبة.
وما إلى ذلك مما يحتاج إلى تعليق.

بعض نصائح شيوخ التحقيق للمحقق والناسخ والكاتب
في كتابة الأحاديث الشريفة نموذجاً

المتتبع لشؤون تحقيق المخطوطات وتحقيقها والكتب العلمية فيها يجد أن علماء هذا الفن قد قدَّموا عدة نصائح وإرشادات للمشتغلين كي يتجنبوا الأخطاء والزلل، وفيما يأتي عرض لبعض هذه النصائح:
في ضبط الحركات:
(نص سيبويه على أن العربي لحرصه على بيان الحركة في آخر كل كلمة سأله عنها، كان يعقبها بلفظة (يا فتى)، وبهذه الوسيلة كان سيبويه يستدل على أن الكلمة مصروفة ومجراة، أم لا؛ إذ لو وقف الأعرابي عليها بالسكون وهي غير منصوبة وكانت مجراة لم يكن في وسع إمام النحاة أن يعلم إن كانت تلك الكلمة مجراة أم لا)([1]).
كراهة الخط الدقيق:
يكره الخط الدقيق من غير عذر يقتضيه، (قال حنبل بن إسحاق: رآني أحمد بن حنبل وأنا أكتب خطاً دقيقاً، فقال: لا تفعل، أحوج ما تكون إليه يخونك) ([2]).
تفضيل خط التحقيق دون المَشق([3]) والتعليق([4]):
يُختار له في خطه: التحقيق، دون المَشْق والتعليق، (قال عمر بن الخطاب: شر الكتابة المشق، وشر الكتابة الهذرمة([5])، وأجود الخط أبينه) ([6]).
ترك الاصطلاح مع نفسه في الكتاب([7]):
لا ينبغي أن يصطلح مع نفسه في كتابه بما لا يفهمه غيره؛ فيوقع غيره في حيرة؛ كفعل مَن يجمع في كتابه بين روايات مختلفة، ويرمز إلى رواية كل راوٍ بحرف واحد من اسمه، أو حرفين، وما أشبه ذلك.
فإن بيَّن في أول كتابه أو آخره مراده بتلك العلامات والرموز فلا بأس.
ومع ذلك فالأولى أن يتجنب الرمز، ويكتب عند كل رواية اسم راويها بكماله مختصراً، ولا يقتصر على العلامة ببعضه.
استحسان وضع دائرة بين كل حديثين([8]):
ينبغي أن يجعل بين كل حديثين دارة تفصل بينهما وتُمَيِّز، واستحب الخطيب البغدادي أن تكون الدارات غُفلاً؛ فإذا عارَضَ (من عرض الحديث على الشيخ) فكل حديث يفرغ من عرضه ينقط في الدارة التي تليه نقطة، أو يخط في وسطها خطاً.
كراهة قطع الأسماء المكرَّمة([9]):
يكره في مثل (عبد الله بن فلان) أن يكتب (عبد) في آخر السطر، والباقي في أول سطر جديد.
وكذا يكره أن يكتب (قال رسول) في آخر سطر، ويكتب في أول السطر الذي يليه (الله e).
المحافظة على كتابة الصلاة على النبي e([10]):
ينبغي لِمَن يكتب أن يحافظ على كِتْبَة الصلاة والتسليم على رسول الله e عند ذكره، ولا يسأم من تكرير ذلك عند تكرره؛ فإن ذلك من أكبر الفوائد التي يتعجلها طلبة الحديث وكتبته، ومَن أغفل ذلك حُرِم حظاً عظيماً.
ثم ليتجنب في إثباتها نقصين:
1- أن يكتبها منقوصة صورة؛ رامزاً إليها بحرفين، أو نحو ذلك.
2- أن يكتبها منقوصة معنى؛ بأن لا يكتب (وسلم).
كتب الثناء في اسم الله، واسم رسول الله e([11]):
وهكذا الأمر في الثناء على الله سبحانه وتعالى عند ذكر اسمه، نحو (عزَّ وجلَّ)، و(تبارك وتعالى)، وما ضاهى ذلك.

المنهج الذي يجب على المحقق أن يتبعه

ما المنهج الذي يجب على المحقق أن يتبعه في عملية التحقيق للوصول بالمخطوط إلى أقرب ما يكون لما أراده المؤلف؟.
1- أن يشك المحقق أولاً في نفسه عندما يصادفه ما يُشكل من النصوص قبل أن يشك في صحة النص فيتهمه بالتصحيف أو التحريف أو السقط، فيتجرأ عليه بالتعديل الذي يراه، في حين أن الخلل في فهم المحقق وليس في النص نفسه.
مثاله: خطأ بعض المحققين في عدم مراعاة هذه القاعدة، ما جاء في كتاب (قواعد الشعر) لثعلب ما يأتي:
وقال: (المعدَّل من أبيات الشعر ما اعتدل طرفاه)، وهذا كلام واضح، ولكن المحقق محمد عبد المنعم خفاجي لم يستوعب النص، وظن أن فيه سقطاً وتحريفاً؛ فصحح النص على النحو التالي: (وقال المعدَّل من أبيات ... [أبلغ] الشعر ما اعتدل طرفاه).
وعلٌّ المحقق في الحاشية: (المعدَّل بن عبد الله الليثي، شاعر إسلامي، قليل الشعر، وسقط الشاهد هنا، وصححنا التحريف الغريب في الأصل، ويبدو أن الناسخ كان ينقل من نسخة قد اختلطت صفحاتها فنقل من دون تمييز، أو بحث).
وإذا تيقن المحقق من خطأ النص في المخطوط ففي هذه الحال يلجأ إلى تصويب النص وتعديله مع بيان الأسباب كما في مثال النص الذي ورد في (المزهر) للسيوطي، وهو: (لا تؤخذ اللغة من تغلب واليمن؛ لمجاورتهم اليونان، ولا من بكر لمجاورتهم القبط والفرس).
وذكر أن الخلل في النص هو إفادة أن اليمن تجاور اليونان، وأ، بكراً تجاور القبط.
وتصحيح النص هو من كتاب (الاقتراح) للسيوطي، وهو (النمر) بدل (اليمن)، و(النبط) بدل (القبط).
2- مراجعة مصادر المؤلف التي استقى منها معلوماته.
مثاله: خطأ بعض المحققين في إغفال هذه القاعدة، ما جاء في كتاب (المسائل والأجوبة) للبطليموسي، فقد نقل المؤلف عن أدب الكاتب؛ لابن قتيبة:
(وإذا اجتمعت الضأن والمعز وكثرتا قيل لهما ثلاثة).
وكلمة (ثلاثة) غريبة، وكان يجب على المحقق أن يتأكد هل في الكلمة تصحيف أو تحريف، أو هي صحيحة؟، فيرجع إلى (أدب الكاتب) للتثبت من ذلك، ولدى الرجوع يتبين أن الكلمة (ثلة).

3- مراجعة المؤلفات المماثلة لموضوع المخطوط.
مثال خطأ بعض المحققين في إهمال هذه القاعدة ما جاء في (الوجوه والنظائر في القرآن) للدامغاني:
(قضى: بمعنى فعل، قال تعالى: (إذا قضى الله ورسوله أمراً) يعني: إذا فعل الله ورسوله شيئاً في أمر تزويج وتثيب).
والواقع أن هذه العبارة غير واضحة على المعنى المراد، وكان على المحقق [عبد العزيز سيد الأصل] أن يرجع إلى مثل كتاب (الأشباه والنظائر في القرآن) لمقاتل بن سليمان البلخي، ويبحث في الموضوع نفسه، فيزيل الإشكال.
وبالرجوع يتبين أن العبارة كما يأتي: (إذا فعل الله ورسوله شيئاً في أمر تزويج زينب).
وهكذا يتجلى أن كلمة (وتثيب) إنما هي (زينب)، وأخطأ المحقق في قراءتها أو أخطأ الناسخ في كتابتها.
4- مراجعة النقول عن الكتاب المخطوط في كتب متأخرة ومراجعة الحواشي والشروح للمخطوط.
ومثال خطأ بعض المحققين في إهمال هذه القاعدة ما جاء في تفسير أحكام القرآن؛ لابن العربي:
(قال عبد الله بن عمر: قال لي النبي: يا عبد الله لا تكن مثل فلان...)، والصواب (عبد الله بن عمرو)، وكان ينبغي على المحقق [علي محمد البجاوي] أن يرجع إلى (الجامع لأحكام القرآن) للقرطبي الذي ينقل كثيراً عن ابن العربي ليتحقق من اسم الراوي.
والأسوأ عندما يتعلق الأمر بنص قرآني، كقوله تعالى: }ولا يغتب بعضكم بعضاً{، وبالرجوع إلى (حاشية الشهاب على البيضاوي) نجد أن المحقق قال: (في نسخة: ولا يعتب بعضكم بعضاً، وفي نسخة أخرى: ولا يعب بعضكم بعضاً)، ثم قال: الإعتاب: ذكر المعايب، والراجح أن (يغتب) خطأ من الناسخ؛ لأن (يغتب) ستأتي.
5- تخريج النصوص من مصادرها.
ومثال خطأ بعض المحققين في إغفال هذه القاعدة ما سبق من مثال (قال عبد الله بن عمر: قال لي النبي: يا عبد الله لا تكن مثل فلان ...)، وكان على المحقق أن يُخرِّج الحديث من مصادره الأصيلة؛ ليكشف الخطأ، ويُجري التصحيح المطلوب.
6- الرجوع إلى كتب اللغة في النصوص ذات الصلة باللغة.
ومثال خطأ بعض المحققين في إهمال هذه القاعدة ما جاء في كتاب (الطرائف الأدبية) لعبد العزيز المهيمني، فقد أورد فيه بيتاً من قصيدة عدي بن الرقاع:
وبها مناخ قلما نزلت به ومصمَّعات من بنات معاها
ونقل الميهمني شرحه هكذا: (مصمعات: يعني بعذاب مُلَبْرقَات محدَّرات شغرات لعله (كذا) أكلها وشربها)
وهذا كلام غير مفهوم، ولذلك قال الميمني: (كذا)، بمعنى هكذا وجدت شرحه، ولم يصل إلى فهم معنى البيت؛ لأنه لم يرجع إلى كتب اللغة.
وبالرجوع إلى كتب اللغة فيما يتعلق بكلمات البيت نجد العبارات الآتية:
أتى بثريدة مصمَّعة إذا رفعها كالصومعة، وحدد رأسها، ويقال: بقرات مصمعة إذا كانت ملتزقات عطاشاً فيهن ضمور.
وفي ضوء هذا التوضيح اللغوي يكون المعنى: مصمَّعات: يعني بعرات ملتزقات محددات ببعرات؛ لقلة أكلها وشربها.

مصادر ومراجع البحث

1- الترقيم وعلاماته في اللغة العربية، أحمد زكي باشا، قدَّم له واعتنى بنشره عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب، الطبعة الثالثة في بيروت 1416 هـ، 1995م.
2- تصحيح الكتب وصنع الفهارس المعجمة وكيفية ضبط الكلمات وسبق المسلمين الإفرنج بذلك، أحمد شاكر، اعتنى به عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية بحلب، الطبعة الأولى في بيروت 1414 هـ، 1993م.
3- المنهاج في تأليف البحوث وتحقيق المخطوطات، د. محمد ألتونجي، دار الملاح، الطبعة الأولى 1406 هـ، 1986م.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://www.tourath.com
 
التحقيق العلمي للمخطوطات، وإحياء التراث الإسلامي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتـــديات سالمـي للثقـافــــة والتــراث الجزائري :: منتـدى التــــراث المخطــــوط-
انتقل الى: